ابن ميثم البحراني

22

شرح نهج البلاغة

إلى اللَّه تعالى وذلك مصلحة ظاهرة ، الثاني أنّ نزول الأمر المدعوّ به عليهم بعده مما ينبّههم على فضله ، ويذكَّرهم أنّه لم يصبهم ذلك إلَّا لتركهم أوامر اللَّه تعالى وخروجهم عن طاعته فيتقهقروا عن مسالك الغيّ والفساد إلى واضح سبيل الرشاد ، ويكون ذلك بلاء من اللَّه لهم . الثاني : لعلَّه إنّما دعا عليهم لعلمه أنّه لا يرجى صلاحهم فيما خلقوا لأجله ممّا يدعوهم إليه . ومن لا يرجى صلاح حاله مع فساد نظام العالم بوجوده ولزومه لما يضادّ مطلوب اللَّه منه فعدمه أولى من وجوده . فكان دعاءهم عليهم إذن مندوبا إليه . وعلى ذلك يحمل أيضا دعائه عليهم : اللهمّ مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء . ونحوه . وذلك تأسّ منه عليه السّلام بالسابقين من الأنبياء عليهم السّلام في التضجّر من قولهم والشكاية منهم إلى اللَّه تعالى ودعائهم عليه كنوح عليه السّلام إذ قال : « قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا » إلى قوله « إِنَّهُمْ عَصَوْنِي » ، ثمّ ختم بالدعا على من لم يرج له صلاح ، فقال : « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » الآية . وكلوط إذ قال لقومه : « إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ » ، وغيرهما من الأنبياء والمراد بالميث المدعوّ به يشبه أن يكون ما يحصل في القلب من الانفعال عن الغمّ والخوف ونحوهما ، وذلك أنّ الغمّ إذا وقع لزمه تكاثف الروح القلبي للبرد الحادث عند انطفاء الحرارة الغريزّية لشدّة انقباض الروح واختناقه فيحسّ في القلب بانفعال شبيه بالعصر والمرس . وذلك في الحقيقة ألم أو مستلزمة له فيحسن أن يكون مرادا له ، ويحتمل أن يكون كناية عن أسبابه من الغمّ والخوف فكأنّه طلب من اللَّه أن يقتصّ له منهم إذ ماثوا قلبه بفساد افعالهم ، ويروى أنّ اليوم الَّذي دعا عليهم فيه ولد فيه الحجّاج بن يوسف ، وروى أنّه ولد بعد اليوم بأوقات يسيرة . وفعل الحجّاج بأهل الكوفة ظاهر ، ودماره لها مشهور . وقوله : أما واللَّه لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بني فرس بن غنم . يصلح تعيينه لمن ذكر بيانا للخير منهم الَّذي طلبه أوّلا من اللَّه مجملا عوضا بهم . وبنو فرس حيّ من تغلب أبوهم غنم بفتح الغين وسكون النون ، وهو غنم بن تغلب بن وائل ، وإنّما خصّ هذا البطن لشهرتهم بالشجاعة والحميّة وسرعة إجابة الداعي ، وأمّا البيت : هنالك لو دعيت . فمعناه ما ذكره السيّد الرضيّ - رضوان اللَّه عليه - ووجه تمثيله عليه السّلام بهذا البيت أنّ